أبي طالب المكي

258

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

القيامة بحسنات أمثال الجبال لو خلصت له دخل الجنة ، ويأتي قد ظلم هذا وشتم هذا وضرب هذا فيقتص لهذا من حسناته ولهذا من حسناته حتى لا تبقى له حسنة . فتقول الملائكة : يا ربنا قد فنيت حسناته وقد بقي طالبون كثير . فيقول الله تعالى : ألقوا عليه من سيّئاتهم ثم صكَّوا له صكَّا إلى النار . وينبغي للعبد إن أراد أن يعمل عملا أن يثبت له فيجدد له نية حسنة ، ثم يقف وقفة فيتفقد هل يدخل عليه في ذلك آفة واحدة أو أكثر ، فيخرج ما دخل عليه من الآفات بمشاهدة اليقين ، ثم يعمل ذلك العمل لله وحده لا شريك له في قصده ووجده وطلبه وثوابه ثم يستقيم على ذلك العمل ، فإن دخلت عليه آفة في خلله نفاها حتى يكون قائما بشهادته ، فهذا هو الإخلاص لأن المخلص يحتاج في إخلاصه إلى شيئين ليس أحدهما أولى به من الآخر صحة القصد لوجه الله تعالى وطلبه ما عنده من الآخرة ، ثم إخراج الآفات والحذر على ذلك العمل من دخولها عليه إلى فراغه منه ، فبذلك يتم إخلاصه ويصفو من كدرة الهوى ويخلص من الشهوة الخفية فيكون خالصا من الرياء بالإخلاص ، صافيا من الشهوة ، يتفقد دخول الآفة . كما روي في الخبر : أخوف ما أخاف على أمتي الرياء والشهوة الخفية . قيل : حبّ الدنيا وقيل : العمل ، لأنه يؤجر العبد ويحمد ثم إذا همّ العبد بعمل وقف قبله وقفة فتدبره وتفكَّر كم فيه من نية ، فربما وجد في العمل الواحد عشر نيّات أو خمسا وما بين ذلك لما يحتمل ذلك العمل من وجوه البرّ ومعاني القربات المندوب إليها ، فيكون له بكل نية عمل ، فيؤجر على العمل الواحد عشرة أجور لأنه عشرة أعمال أو خمسة ، يكون لكل نية عمل وبكل عمل أجر ، وهو من فضائل الأعمال وتضاعيف الحسنات ، ولا يعلمه إلَّا العلماء بالله تعالى وأحكامه ، وهو طريق الأبدال من صالحيّ أهل الأحوال ، فبذلك زكت أعمالهم وارتفعت مقاماتهم وكثرت أجورهم وحسنت حالاتهم لا بكثرة الأعمال لكن بتحسينها ووجود النيات الكثيرة فيها . وقد جاء في الأثر : من عمل عملا لا يريد به وجه الله لم يزل في مقت من الله حتى يفرغ . وقد قال بعض الأدباء : من لم يشكر لك حسن النية فيه لم يشكر لك حسن الصنيعة إليه وأنشدوا في معناه : لأشكرنك معروفا هممت به * إن اهتمامك بالمعروف معروف ولا ألومك إذا لم يمضه قدر * فالشيء بالقدر المكتوب مصروف ولو لم يكن في تجديد النية الحسنة وتفقد الهمة العالية إلَّا أنّ صاحبها لا يزال عاملا من عمال الله تعالى بقلبه وهمه ، وإن لم يساعده القدر على الأفعال بجوارحه ، فيكون أبدا مأجورا ، ولو لم يكن في نية الشر والهمة الدنية إلَّا أنّ صاحبها في بطالة وخسارة وإن لم